المقريزي

66

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

البلدين معا ، فأمر الناس بإخلاء مدينة الفسطاط ، واللحاق بالقاهرة للامتناع من الفرنج ، وكانت القاهرة إذ ذاك من الحصانة ، والامتناع بحيث لا ترام ، فارتحل الناس من الفسطاط ، وساروا بأسرهم إلى القاهرة ، وأمر شاور ، فألقى العبيد النار في الفسطاط ، فلم تزل به بضعا وخمسين يوما حتى احترقت أكثر مساكنه ، فلما رحل مري عن القاهرة ، واستولى شيركوه « 1 » على الوزارة تراجع الناس إلى الفسطاط ، ورموا بعض شعثه ، ولم يزل في نقص وخراب إلى يومنا هذا ، وقد صار الفسطاط يعرف في زمننا بمدينة مصر ، واللّه أعلم . ذكر ما كان عليه موضع الفسطاط قبل الإسلام إلى أن اختطه المسلمون مدينة اعلم : أنّ موضع الفسطاط الذي يقال له اليوم : مدينة مصر كان فضاء ومزارع فيما بين النيل ، والجبل الشرقيّ الذي يعرف بالجبل المقطم ، ليس فيه من البناء ، والعمارة سوى حصن يعرف اليوم بعضه : بقصر الشمع ، وبالمعلقة ينزل به شحنة الروم المتولي على مصر من قبل القياصر ملوك الروم عند مسيره من مدينة الإسكندرية ، ويقيم فيه ما شاء ، ثم يعود إلى دار الإمارة ، ومنزل الملك من الإسكندرية ، وكان هذا الحصن مطلا على النيل ، وتصل السفن في النيل إلى بابه الغربيّ الذي كان يعرف بباب الحديد ، ومنه ركب المقوقس في السفن في النيل من بابه الغربيّ حين غلبه المسلمون على الحصن المذكور ، وصار فيه إلى الجزيرة التي تجاه الحصن ، وهي التي تعرف اليوم : بالروضة قبالة مصر ، وكان مقياس النيل بجانب الحصن . وقال ابن المتوّج : وعمود المقياس موجود في زقاق مسجد ابن النعمان قلت : وهو باق إلى يومنا هذا ، أعني سنة عشرين وثمانمائة ، وكان هذا الحصن لا يزال مشحونا بالمقاتلة ، وسيرد في هذا الكتاب خبره إن شاء اللّه تعالى ، وكان بجوار هذا الحصن من بحريه ، وهي الجهة الشمالية أشجار وكروم صار موضعها الجامع العتيق ، وفيما بين الحصن والجبل عدّة كنائس ، وديارات للنصارى في الموضع الذي يعرف اليوم براشدة ، وبجانب الحصن فيما بين الكروم التي كانت بجانبه ، وبين الجرف الذي يعرف اليوم : بجبل يشكر ، حيث جامع ابن طولون ، والكبش عدّة كنائس ، وديارات للنصارى في الموضع الذي كان يعرف في أوائل الإسلام بالحمراء ، وعرف الآن بخط قناطر السباع والسبع سقايات ، وبقي بالحمراء عدّة من الديارات إلى أن هدمت في سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاون على ما ذكر في هذا الكتاب عند ذكر كنائس النصارى ، فلما افتتح عمرو بن العاص مدينة

--> ( 1 ) أسد الدين شيركوه عم صلاح الدين الأيوبي أول من ولي مصر من الأكراد الأيوبيين كان قائدا عند نور الدين محمود زنكي أرسله إلى مصر عدّة مرات لمحاربة الفرنج . ولاه العاضد الوزارة سنة 564 ه وتوفي في نفس السنة بالقاهرة ثم نقل إلى المدينة . الأعلام ج 3 / 183 .